ابن تيمية

25

مجموعة الرسائل والمسائل

الرابع : الاتحاد العام وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات ، وهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من وجهين : من جهة أن أولئك قالوا أن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين ، وهؤلاء يقولون ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره ( والثاني ) من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا ذلك سارياً في الكلاب والخنازير والقذر والأوساخ ، وإذا كان الله تعالى قال ( لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم ) الآية . فكيف بمن قال أن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء ؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وقال لهم ( قلم فلم يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممن خلق ) الآية . فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه ؟ ولا يتصور أن يعذب إلا نفسه ؟ وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع ؟ كما في قوله صلى الله عليه وسلم " إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها " وإن الناكح عين المنكوح ، حتى قال شاعرهم . ( 1 ) واعلم أن هؤلاء لما كان كفرهم في قولهم : أن الله هو مخلوقاته كلها أعظم من كفر النصارى بقولهم ( أن الله هو المسيح بن مريم ) فكان النصارى ضلال أكثرهم لا يعقلون مذهبهم في التوحيد إذ هو شيء متخيل لا يعلم ولا يعقل ، حيث يجعلون الرب جوهراً واحداً ثم يجعلونه ثلاثة جواهر ، ويتأولون ذلك بتعدد الخواص والأشخاص التي هي الأقانيم ، والخواص عندهم ليست جواهر ، فيتناقضون مع كفرهم ، كذلك هؤلاء الملاحدة الاتحادية ضلال أكثرهم لا يعقلون قول رؤوسهم ولا يفقهونه ، وهم في ذلك كالنصارى ، كلما كان الشيخ أحمق وأجهل ، كان بالله أعرف ، وعندهم أعظم ، ولهم حظ من عبادة الرب الذي كفروا به كما للنصارى . هذا ما دام أحدهم

--> ( 1 ) سقط من الأصل هذا الشعر وقد يعرف مما سبق من أشعارهم